نورالدين علي بن أحمد السمهودي
120
وفاء الوفاء بأخبار دار المصطفى ( ص )
قلت : وهذه الرواية نقلها رزين عن عبد اللّه بن عقيل ، وساقها باللفظ السابق ، إلا أنه قال : ورأيت القبور ، فإذا قبر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم من أمام ، وذكر ما قدمنا عنه في الرواية الأولى ، وهو مخالف لما في هذه الرواية ، وهو أولى بالاعتماد ؛ لأن هذه الرواية ضعيفة مع بعدها مما سيأتي في وصف الحجرة الشريفة ، سيما على ما سبق من قسم عائشة رضي الله عنها الحجرة باثنين ، ولها شاهد لكنه ضعيف أيضا ، وهو ما في طبقات ابن سعد عن مالك بن إسماعيل - أظنه مولى لآل الزبير - قال : دخلت مع مصعب بن الزبير البيت الذي فيه يعني قبر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وأبي بكر وعمر رضي اللّه عنهما ، فرأيت قبورهم مستطيلة ، انتهى . وفي رواية للآجري ما يوهم صفة ثامنة ؛ فإنه ذكر عقب الخبر المتقدم عن رجاء بن حيوة في إدخال الحجرة في المسجد ما لفظه : قال رجاء : فكان قبر أبي بكر وسطه ، ولم يذكر فيه عمر رضي اللّه عنه ، فإن الضمير في قوله « وسطه » إن كان للبيت فواضح ، وإن كان للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم فهذه صفة أخرى ، لكن ينبغي تأويلها أيضا على التجوز في لفظ الوسط ليوافق رواية غيره . وأما ما أخرجه أبو يعلى عن عائشة : أبو بكر عن يمينه ، وعمر عن يساره ؛ فسنده ضعيف أيضا ، ويمكن تأويله كما قاله الحافظ ابن حجر . وحينئذ فلم يبق إلا الروايتان الأوليان فهما اللتان يتردد بينهما في الترجيح ، والأولى هي المشهورة ، ومقتضى تصحيح الحاكم لإسناد الثانية ترجيحها ، وهي أصح الروايات ، وقد اشتملت على أن القبور لم تكن مسنّمة « 1 » وقد قال يحيى : حدثني هارون بن موسى - قلت : ولا بأس به - قال : حدثني غير واحد من مشايخ أهل المدينة أن صفات القبور الشريفة مسطوحة عليها بطحاء من بطحاء العرصة حمراء . وروى ابن زبالة من طريق عمرة عن عائشة قالت : ربّع قبر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، وجعل رأسه مما يلي المغرب . وأما ما في صحيح البخاري عن سفيان التمار أنه رأى قبر النبي صلّى اللّه عليه وسلّم مسنما ، زاد أبو نعيم في المستخرج : وقبر أبي بكر وعمر رضي اللّه عنهما كذلك ، ورواه ابن سعد عنه بلفظ : رأيت قبر النبي صلّى اللّه عليه وسلّم وأبي بكر وعمر مسنّمة ، فلا يعارض ما قدمناه ؛ لأن سفيان ولد في زمان معاوية فلم ير القبر الشريف إلا في آخر الأمر ، فيحتمل - كما قال البيهقي - أن القبر لم يكن في الأول مسنما ، ثم سنم لما سقط عن الجدار ؛ فقد روى يحيى عن عبد الله ابن الحسين قال : رأيت قبر النبي صلّى اللّه عليه وسلّم مسنما في زمن الوليد بن هشام . وفي رواية أخرى
--> ( 1 ) سنّم القبر : رفعه وعلّاه عن وجه الأرض كالسنام ولم يسطحه .